قاعدة التصحيح القرآنية
لمفاهيم المصطلحات العربية العشوائية (*)
لمفاهيم المصطلحات العربية العشوائية (*)
بقلم : جلول دكداك - شاعر السلام الإسلامي
( عضو رابطة الأدب الإسلامي العالمية )
***
( التنطع ) - ( التطرف ) - ( الغلو ) - ( العنف ) - ( الإرهاب ) … مصطلحات كثيرا ما تحشر في خانة واحدة. فهل هي كلها تعني فعلا المعنى نفسه ، أم كل منها يمثل جزءاً من معنى عام مشترك ، أم الأمر غير ذلك تماما ؟
إن المتتبع لشأن اللغة العربية بين قومها سرعان ما يكتشف أن الناس - بما فيهم بعض علماء اللغة أنفسهم - لم يعودوا يهتمون كثيرا بما قد يوجد بين مفردات اللغة العربية من تفاوت و اختلاف في المعنى؛ و كأن الألفاظ قد أصبحت كلها مترادفة ! فهل في اللغة العربية مترادفات حقا ؟ لو كان ذلك صحيحا لاختلط الأمر على الناس اختلاطا شديدا ، و لالتبس عليهم الفهم التباسا كبيرا قد يفضي في أحيان كثيرة إلى نقيض المقصود منه تماما. و لو كان الأمر كذلك لما اختار الله - سبحانه - هذه اللغة لوحيه المنزل على عباده. فلا بد ، إذاً ، أن يكون الأمر غير ذلك.
نعم لا مشاحة في المصطلح.. ، و لكن المشاحة ..كل المشاحة في مفهوم المصطلح. و لا معنى للترادف في اللغة إلا بقدر ما يكون بين المفردات من تقارب في الجدع المعنوي المشترك دون أن يصل هذا التقارب إلى تطابق في المعنى. فكل مفردة مستقلة بذاتها تلون جانبا من المعنى بلونها الخاص و لا تعتدي بتاتا على جاراتها. و هذه السمة هي التي ميزت اللغة العربية بدقتها البالغة و تصويرها الوجداني العميق.
فالخوف غير الرهب ، و الرهب غير الرعب ، و أسماء ( الأسد ) ملك الغابة ليست مترادفة إلى حد التطابق، إذ لا شك في أن كل اسم من هذه الأسماء يتميز فيه المسمى بصفة لا توجد في أسمائه الأخرى : ليث، ضرغام، هزبر، أبو أسامة، سبع … و مثل ذلك يقال عن مستويات الخوف: فالخوف أنواع منوعة هي- على سبيل المثال لا الحصر - : خوف بلا زيادة، و خوف مع رهب، و خوف مع رعب، و خوف مع فزع، و خوف مع هلع، و خوف مع فرَق، و خوف مع جبن، و خوف مع خجل، و خوف مع حياء، و خوف مع خفر، و خوف مع إغضاء، و خوف مع هيبة، و خوف مع رهبة - و الرهبة غير الرهب - ، و خوف مع ردع، و خوف مع توجس ، و خوف مع ترقب، و خوف مع تهرب، و خوف مع خشية…
أما مستويات التخويف فقد بينتها بتفصيل دقيق في شجرة رسم بياني سميتها : [ ميزان تمحيص مفهومالمصطلح العربي القرآني : إرهاب ] ، فليرجع إليه من شاء في آخر هذا المقال(ص 32 )، بعد أن يقرأ هذا التعليق :
" لقد كنت من قبل قررت في بحث سابق أنَّ أنسَب مصطلح عربي لترجمة مفهوم التيرورسم terrorisme هو[ الحِرابة ]؛ لكن ميزان التمحيص الذي أعددته لقراءة جديدة في المفهوم و الظاهرة قد كشف لي أن التيرورسم terrorisme أشد إفسادا من الحِرابة نفسها. و بناء على هذه النتيجة التي أفضت إليها مقدمات البحث الجديد ، أستدرك فأقول بأن مفهوم هذا المصطلح الغربي لا يوجد له مقابل دقيق في اللغة العربية ، و لا يمكن ترجمته ، و لا حل لمعضلته إلا أن نعبر عن مفهومه بلفظه نفسه معرَّبا هكذا : تيرورسم؛ و أن نجعل الصفة منه أيضا بلفظه هكذا : [ تيروري..تيرورية ..تيروريون و تيروريات ..و أعمال تيرورية..] على غرار قولنا: تكنولوجي..و إلكتروني.. و هلم جرا. و هذا ما لجأ إليه الغربيونأيضا عندما استعصى عليهم أن يترجموا مفهوم المصطلح العربي الفلسطيني : انتفاضة ، فاستعملوه في لغاتهم كما هو منطوقا بلفظه العربي مكتوبا بحروفهم اللاتينية : Intifada."
و لا شك في أن اللغة كائن حي متطور؛ لكنها جزء لا يتجزأ من كيان الإنسان ، وهي خاضعة في تطورها المستمر للسنن الكونية الربانية التي يخضع لها مخترعها الإنسان. و من أبسط و أقوى البراهين في آن على صحة هذه القاعدة، أن نمو الإنسان لا بد من أن يتوقف بعد بلوغه عمرا معينا يتحدد فيه نضجه البشري، و إلا صار اطراد نموه من دون توقف وبالا عليه . و هذا هو الرد القاطع على أولئك الذين يدعون أن التطور لا ضابط له ، و شأن المفاهيم اللغوية فيه كشأن سائر الكائنات. فلو أن المفاهيم اللغوية لم تكن مستقرة على حال طوال هذه القرون و الأجيال لما استطاعت البشرية أن تبني هذه الحضارة بمدنياتها المختلفة المتكاملة. و بناء على ذلك يمكن أن نجزم بأن انقراض اللغة هو إيذان بانقراض الإنسان الذي يتكلمها.
@@@
من أخطر أنواع الغلو في الدين الغلو في تأويل المفاهيم ، و أوسع أبواب الابتلاء بالغلو الغفلة و الاستعجال. و أخطر ما ابتليت به أمة الإسلام في القرن الخامس عشر الهجري من هذا الغلو ، هو انشغال علمائها عن التفقه و التفقيه في علوم اللغة العربية و أساليب البيان العربي الأصيل. و هذه العلوم هي الأدوات التي يستعان بها لفهم و بيان و تبليغ مقاصد القرآن الكريم و أهدافه و غايته ، و لذلك فكل تقصير فيها هو تقصير في أداء أمانة البيان و التبليغ عن رب العالمين.
و إن هذا الغلو في التأويل لمقاصد التنزيل الحكيم ليتجلى لكل ذي بصر ثاقب و بصيرة نافذة في إصرار معظم العلماء المسلمين في هذا العصر على إقحام مفهوم التيرورسم terrorisme الغربي الدخيل على مفهوم الإرهاب العربي القرآني الأصيل. و منهم من اضطرب بين المفهومين اضطرابا واضحا لا لبس فيه ، حيث أراد أن يبرئ الإسلام من تهمة التيرورسم ، فألصقها إلصاقا بالقرآن الكريم. و منهم من حاول التوفيق فوقع في التلفيق و منه تورط في إفساد اللغة نحوا و صرفا و معنى ، و حمَّل ( آية الإرهاب ) – )و أعدوا لهم مااستطعتم من قوة و من رباط الخيلترهبون به عدو اللهو عدوكم و آخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم( - ما لا تحتمله كي يصرف مفهوم ( الإرهاب ) القرآني بتعسف كبير إلى بني إسرائيل وحدهم !
و إليكم الدليل في مقتطفات من مقال بعنوان [ مفهوم (( الإرهاب )) في القرآن الكريم : مقاربة لدراسة دلالة المصطلح القرآني ]، نشر على صفحات العدد 475 - ربيع الأول 1426 من مجلة ( الوعي الإسلامي ) التي تصدر في الكويت. ( انظر شكل رقم 1 على الصفحة33 الخاصة بالمقتطفات ). و سأبرهن على صدق ادعائي عن ط













